سيد محمد طنطاوي

238

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والغيظ : أشد الغضب . وعضهم الأنامل كناية عن شدة غضبهم وتحسرهم وحنقهم على المؤمنين . أي أن هؤلاء الذين يواليهم بعضكم أيها المؤمنون بلغ من نفاقهم وسوء ضمائرهم أنهم إذا لقوكم قالوا آمنا بدينكم وبنبيكم محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وإذا خلوا ، أي خلا بعضهم ببعض أكل الحقد قلوبهم عليكم ، وسلقوكم بألسنة حداد ، وتمنوا لكم المصائب ، وأظهروا فيما بينهم أشد ألوان الغيظ نحوكم بسبب ما يرونه من ائتلافكم ، واجتماع كلمتكم ، وعجزهم عن أن يجدوا سبيلا إلى التشفي منكم . وإلحاق الاضرار بين صفوفكم . ومن كان كذلك في كفره ونفاقه ، كان من الواجب على كل مؤمن أن يحتقره وأن يبتعد عنه لأنه لا يريد للمؤمنين إلا شرا . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يكبت هؤلاء المنافقين ويبقى حسرتهم فقال : * ( قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّه عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ) * . والخطاب للنبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم : ولكل مؤمن من أتباعه لتحريضه على مقاطعة هؤلاء الذين لا يريدون إلا الشر . أي : قل لهم دوموا على غيظكم واستمروا عليه إلى أن تموتوا . فإن قوة الإسلام وعزة أهله التي جعلتكم تبغضون المؤمنين ستبقى وستستمر ، وإن أحقادكم على المسلمين لن تنقص من قوتهم وعلو كلمتهم شيئا . فالمراد الدعاء عليهم بأن يزداد غيظهم حتى يهلكوا به ، وهذا يستلزم أن يستمر ما يغيظهم ويكبتهم وهو نجاح الإسلام وقوته . والباء في قوله : * ( بِغَيْظِكُمْ ) * للملابسة ، أي موتوا متلبسين بغيظكم وحقدكم . وقوله : * ( إِنَّ اللَّه عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ) * أي محيط بما خفى فيها ، ومطلع على ما يبيته هؤلاء المنافقون للمسلمين ، وسيحاسبهم عليه حسابا عسيرا . ويعذبهم بسبب ذلك عذابا أليما . قال الجمل : وهذه الجملة يحتمل أن تكون مستأنفة ، أخبر اللَّه - تعالى - بذلك . لأنهم كانوا يخفون غيظهم ما أمكنهم ، فذكر ذلك لهم على سبيل الوعيد . ويحتمل أن تكون من جملة المقول ، أي قل لهم كذا وكذا فتكون في محل نصب بالقول ، ومعنى قوله : * ( بِذاتِ الصُّدُورِ ) * أي بالمضمرات ذوات الصدور . فذات هنا تأنيث ذي بمعنى صاحبة الصدور . وجعلت صاحبة للصدور لملازمتها لها وعدم انفكاكها عنها ، نحو أصحاب الجنة وأصحاب النار « 1 » .

--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 1 ص 308 .